بسم الله الرحمن الرحيـــــــــــــــم
لما كانت ظاهرة التناص في الشعر العربي الحديث تُشكل بعدا فنيا و إجراء أسلوبيا يكشف عن التفاؤل بين النصوص الحديثة و القديمة أو التقاء بين الحضارات إذ يتم استدعاء النصوص بأشكالها المختلفة على أساس وظيفي يُجسد التفاعل بين الماضي والحاضر، و إذا كان الدارسون قد أجمعوا على أنه لا يخلو نص من نصوص أخرى،يتناسل معها فتتكاثر،فإن ما يهم القارئ المُتلقي لهذه النصوص المتناصة هو كيفية توظيف النص الوافد ليصبح جزء أساسيا من نسيج النص أو لبنة من لبناته لا أن يكون نشازا أو غريبا عن النص المستقبل.
و قد وردت كلمة التناص
(لغــــة) في لسان العرب بمعنى الاتصال،كما وردت في معجم تاج العروس بمعنى الانقباض و الازدحام،و هو معنى يقترب من التناص بمفهومه الحديث الذي يُشير إلى تداخل النصوص فيما بينها...
فالتناص هو ترجمة للمصطلح الفرنسي
Intertexte و تعود في أصولها إلى الفعل اللاتيني textere و يعني نسج أو حبك،وبذلك يصبح معناها التبادل النصي، التناص ،تعالق النصوص، التناصية (intertextualité )
أما اصطلاحـــا
فإن التناص ميزة نصية أساسية تأخذ النص من تفرده إلى علاقات و تداخلات مع نصوص أخرى،حيث لا يخلو نص من نصوص تدخل في نسيجه سابقة له أو معايشة(في نفس الزمان).
حيث ترى
جوليا كريستيفا أن كل نص هو عبارة عن فُسيفساء نصوص من نصوص أخرى،و يعتبر التناص عندها إحدى ميزات النص الأساسية التي تطل على نصوص أخرى سابقة عنها أو معاصرة لها.
و قد ظهر هذا المصطلح "التناص" في حقل النقد العربي الحديث بعدة صياغات
وترجمات نختصرها في التناص،التناصية،النصوصية، تداخل النصوص،تعالق النصوص، النص الغائب ،العبرنصية، النصوص المهاجرة... و إذا بحثنا عن جذور هذا المصطلح تعود إلى الشكلانيين الروس مع تشكولفسكي الذي ظهر على يده،ثم إلى باختين الذي كان أول من صاغ نظرية في تعدد القيم النصية المتداخلة إلا أنه لم يستعمل لفظة تناص بل وظف سياقا آخرا يقاربها مثل تداخل السياقات،التداخل السوسيو-لفظي،ويرى أنه لا يوجد تعبير لا تربطه علاقة بتعبير آخر،كما يقر بصعوبة التمييز بين الخطابات المختلفة داخل الخطاب الواحد.
فالشاعر الحداثي ينهل من نهر معرفي
متدفق متعدد المنابع متلون الروافد يختلط فيه العلمي بالخرافي،التاريخي،الأسطوري،الديني ،الصوفي...تركيبة معرفية غريبة يتشكل منها النص الشعري وتدخل في نسيجه وتضاعف من صعوبة قراءته وتعقد من عملية تلقيه وتزيد من غموض دلالته،وقد يكون السبب في ذلك لا يكمن في هذه الثقافة وتعددها وإنما في تداخلها وعمقها وتنوعها.
و تتم دراسة التناص من خلال قوانينه الثلاثة (وهي أنــــواعه)الخاصة به و المتمثلة في:الاجترار،الامتصاص و التحوير.
أما الاجترار
:فهو تكرار للنص الغائب من دون تغيير(ما كان يُسمى بـ الاقتباس)،أي أن الشاعر يكتفي بإعادة النص مثلما هو أو بإجراء تعديل طفيف لا يمس جوهره وعادة يتم على مستوى النص الديني لما يحظى به من تقديس و احترام،ليأتي في الدرجة الثانية النص الأسطوري،مثل نص عبد الوهاب البياتي:
"...و صياح ديك
فر من قفص،وقديس صغير
"ما حك جلدك مثل
ظفرك"
و الطريق إلى الجحيم
من حبة
الفردوس أقرب والذباب
و الحصادون المتعبون
زرعوا ولم نأكل
و نزرع صاغرين
فيأكلون..."
و أما الامتصاص
و هو شكل أعلى وأكثر قدرة على خلق شعرية في النص الجديد حيث يتعامل الشاعر مع النص المتناص تعاملا حركيا تحويليا لا ينفي الأصل،بل يسهم في استمراره جوهرا قابلا للتجديد أي أن الامتصاص لا يجمد النص الغائب و لاينقله بل يعيد صياغته من جديد وفق متطلبات فكرية وتاريخية وجمالية،ونجد هذا في قول الشاعر البياتي من قصيدته"الموت في الحب" في قوله:
أيتها
العذراء
هزي بجزع النخلة الفرعاء
يتساقط الأشياء
تتفجر الشموس
والأقمار...
حيث يمتص هذا النص الآية القرآنية:"وهزي إليك
بجزع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا"(مريم:25)
أما التحوير
و يعتبر هذا النوع من أنواع التناص أعلى مرحلة من مراحل النص الغائب،فالشاعر يقوم بتغيير للنص المأخوذ (المُتناص) بأن يُحدث عليه تغييرا عن طريق القلب أو التحوير إيمانا منه بعدم محدودية الإبداع،ومحاولة لكسر الجمود الي يغلق الأشكال والكتابة و لإثارة الدهشة و التساؤلات عند القارىء الذي يعمل على تأويل هذا القلب أو التحويل عند الإجابةعن سؤاله لماذا غيّر الشاعر هذا النص؟ مما يدفع الشاعر وهو يصيغ نصه صياغة جديدة إلى تناسي بعض الاعتبارات وخاصة عندما يتعلق الأمر بنص ديني والخوض في المسكوت عنه لضرورة أدبية حيث الحوار أو القلب أو التحوير...هو الصيغة الأكثر شيوعا في التناص،نمثل لذلك من خلال قصيدة الحيدري بعنوان "حوار عبر الأبعاد الثلاثة" في قوله:
.............................
"العدل أساس
الملك"
ماذا...........؟
العدل أساس
الملك
صه..........لا تحك
كذب...كذب...كذب
الملك أساس العدل
فالتناص في أحد مستوياته التي تسبب الغموض يقترب من مفهوم الجدلية
الفكرية،فكل النصوص الأدبية محاكة من نصوص أدبية أخرى ليس بالمعنى الصرفي،بل بمعنى تشغيل هذه النصوص في مستوياتها الأشد تجدرا والذي يعني أن كل كلمة،أو عبارة،أو مقطع هو إعادة تشغيل أخرى سبقت العمل الفردي أو أحاطت به.
دمتم بود